فخر الدين الرازي

84

تفسير الرازي

إنه بقي محروماً عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله : * ( ومن رزقناه منا رزقا حسناً ) * هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى . واعلم أن القول الأول أقرب ، لان ما قبل هذه الآية وما بعدها أنما ورد في اثبات التوحيد ، وفى الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى . ( المسألة الثانية ) اختلفوا في المراد بقوله ( عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ) فقيل : المراد به الضم لأنه عبد بدليل قوله ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا ) وأما أنه مملوك ولا يقدر على شئ فظاهر ، والمراد بقوله ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ) عابد الضم لان الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سرا وجهرا ) إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية . ( والقول الثاني ) أن المراد بقوله ( عبدا مملوكا ) عبد معين ، وقيل : هو عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) على عثمان خاصة ( والقول الثالث ) أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفى كل حر بهذه الصفة ، وهذا القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ، الله أعلم . المسألة الثانية ) احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا . فان قالوا : ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شئ ، فلم قلتم ، إن كل عبد كذلك ؟ فنقول : الذي يدل عليه جهان : الأول : أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية . وقوله ( لا يقدر على شئ ) حكم مذكور عقيبه . فهذا يقتضى أن العلة لعدم القدرة على شئ هو كونه عبدا ، بهذا الطريق يثبت العموم . الثاني : أنه تعالى قال بعده ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقا حسنا ، لان الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثيرا . فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضى أن العبد لا يقدر على شئ ولا يملك . ثم اختلفوا